أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
167
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
2058 - أكرّر وأحمى للحقيقة منهم * وأضرب منّا بالسّيوف القوانسا « 1 » ف « القوانس » نصب بإضمار فعل ، أي : يضرب القوانس ، لأن « أفعل » ضعيفة كما تقرر . الخامس : أنها مرفوعة المحل بالابتداء ، و « يَضِلُّ » خبره ، والجملة معلقة ل « أفعل » التفضيل ، فهي في محل نصب بها ، كأنه قيل : أعلم أيّ الناس يضلّ ، كقوله : لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ « 2 » ، وهذا رأي الكسائي والزجاج والمبرد ومكي ، إلّا أن الشيخ ردّ هذا بأن التعليق فرع ثبوت العمل في المفعول به ، و « أفعل » لا يعمل فيه فلا يعلق . والراجح من هذه الأقوال نصبها بمضمر ، وهو قول الفارسي ، وقواعد البصريين موافقة له ، ويجوز أن تكون « من » في محل جر ، بإضافة « أفعل » إليها ، لئلا يلزم محذور عظيم ، وذلك أنّ « أفعل » التفضيل لا تضاف إلّا إلى جنسها ، فإذا قلت : « زيد أعلم الضّالّين » لزم أن يكون « زيد » بعض الضّالّين ، أي : متصف بالضلال ، فهذا الوجه مستحيل في هذه الآية الكريمة ، هذا عند من قرأ « يَضِلُّ » بفتح حرف المضارعة ، أما من قرأ بضم « يضل » وهو الحسن وأحمد بن أبي شريح فقال أبو البقاء : يجوز أن تكون « مَنْ » في موضع جر بإضافة « أفعل » إليها . قال : إمّا على معنى : هو أعلم المضلين ، أي من يجد الضلال ، وهو من أضللته ، أي : وجدته ضالا ، مثل أحمدته ، أي : وجدته محمودا ، أو بمعنى أنه يضل عن الهدى . « قلت : ولا حاجة إلى ارتكاب مثل هذا في مثل هذه الأماكن الحرجة ، وكان قد عبر قبل هذا بعبارات استعظمت النطق بها ، فأضربت عنها إلى أمثلة من قولي . والذي تحمل عليه هذه القراءة ما تقدم من المختار وهو النصب بمضمر . وفاعل « يَضِلُّ » على هذه القراءة ضمير يعود على اللّه تعالى ، على معنى : يجده ضالا ، أو يخلق فيه الضلال ، لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ « 3 » ، ويجوز أن يكون ضمير « مَنْ » ، أي : أعلم من يضلّ الناس ، والمفعول محذوف . وأما على القراءة الشهيرة فالفاعل ضمير « مَنْ » فقط ، و « مَنْ » يجوز أن تكون موصولة وهو الظاهر ، وأن تكون نكرة موصوفة ، ذكره أبو البقاء . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 118 إلى 121 ] فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ ( 118 ) وَما لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ ( 119 ) وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ ( 120 ) وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ( 121 ) وقوله : فَكُلُوا . في هذه الفاء وجهان : أحدهما : أنها جواب شرط مقدر . قال الزمخشري - بعد كلام - : « فقيل للمسلمين إن كنتم محققين بالإيمان فكلوا » .
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) سورة الكهف ، آية ( 12 ) . ( 3 ) سورة الأنبياء ، آية ( 23 ) .